الرئيسية | سياحة وسفر | القسطل.. قصر الغبار الساطع

القسطل.. قصر الغبار الساطع

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
القسطل.. قصر الغبار الساطع

 

هنا زخم من التاريخ لا ينضب.. نسيج متصل منذ الماضي البعيد، وحتى الزمن القريب، ولذا فلا بد من قراءة كل جوانب هذه المدونة التي تشكل السيرة التاريخية لقرية القسطل، لأن مكان بهذا الحضور يجعل اسم منطقة قالها مضيفنا الفاضل صايل غالب نواف سطام الفايز (أبو صخر)، عنوانا لفترة زمنية في الأردن، كانت القسطل، وقرى أخرى على امتداد الوطن، هي القلاع التي تصد هجمات الوهابيين على الأردن.
كان الحديث يدور حول مناطق القسطل، وأحواضها، وكانت إشارة إلى حوض في القرية يسمى «حوض أم العظام»، حيث تحول مسار الكلام هنا إلى حرب الوهابيين، عندما دار النقاش حول سبب تسمية الحوض بهذا الاسم، فكانت الإجابة تتمحور في فضاءات معركة دارت رحاها هناك، في القسطل، وعلى هذه البقعة، مع الوهابيين، واخذ المكان هذا الاسم من كثرة عظام القتلى فيه أثناء تلك المعركة.
الموحّدون
هنا لا بد من تسليط الضوء على جانب معرفي حول الوهابيين، وحركتهم، وجذورهم في البدايات الأولى، إذ أنهم ينسبون إلى محمد بن عبد الوهاب الذي ولد سنة 1115ه/1703م، في العينية بوادي حنيفة، وقيل في حريملة في ارض نجد. وقد شرع ابن عبد الوهاب يبث مبدأ توحيد الله تعالى، وينادي بإخلاص العبادة له وحده في وقت كثرت فيه البدع، وانتشر الفسق والانحلال والابتعاد عن الدين. 
وكان العثمانيون يطلقون على هذه الجماعة الوهابيين، وأحيانا الخوارج، وأما الوهابيون فكانوا يلقبون أنفسهم بالموحدين، إذ كانوا يعدون من سواهم من المسلمين غير موحدين. 

المبايعة.. التهديد!
لقد أورد الدكتور مفلح النمر الفايز في كتابه «عشائر بني صخر/ تاريخ ومواقف حتى سنة 1950م»، كثيرا من التفاصيل حول الوهابيين، وحروبهم في شرق الأردن، والتصدي لهم في هذه المنطقة خاصة في جانب المواجهات والمعارك بينهم وبين بني صخر، حيث يشير في هذا السياق بأنه كان «قد بايع الشيخ محمد بن عبد الوهاب الأمير محمد بن سعود أمير الدرعية سنة 1744م على أن يكون إماما يتبعه المسلمون، وتعاهدا على نشر كلمة التوحيد بين العرب. فشكل الوهابيون بذلك خطرا على الدولة العثمانية، وهددوا الحجاز غير مرة، كما هددوا طريق قافلة الحج، ولم يمض وقت طويل حتى سيطرت دعوتهم على نجد والحسا والقطيف، ثم الحجاز ومكة والمدينة والطائف ومعظم الجزيرة العربية، وهددوا كربلاء وجنوب حوران..».

الوهابيون.. قادمون!!
هذه هي البدايات بالنسبة للوهابيين، ولكن الدكتور مفلح الفايز يستمر خلال كتابه في بحثه حول الوهابيين، ومراحل تاريخهم، وتوسعهم، وانحسارهم، وانتصاراتهم، وانهزامهم، إلى أن يصل إلى الفترة ما بين 1920 إلى 1924م، والحملات الوهابية في تلك الفترة حيث ظروف تأسيس إمارة شرق الأردن، والصراعات الإقليمية في تلك المرحلة، حيث يشار إلى الحملة الوهابية الأولى وبأنه «تقدمت مجموعة من الإخوان (الوهابيين) يبلغ عدد رجالها حوالي ألف وخمسمائة رجل إلى شرقي الأردن، وكانت هذه المجموعة تقسم إلى أربعة ألوية يقود كل لواء منها شيخ يسمونه عقيدا. والعقداء الأربعة هم: عقاب بن ميحا، وهويمل بن جبريل، وقعدان بن دويش، ونافل بن محمد. وانقسم كل لواء إلى عدد من البيارق (الرايات) تراوحت في مجموعها ما بين (7-14)بيرقا. وفي ليلة الثلاثاء (22 آب) سنة 1922م وصل المهاجمون إلى مضارب بني صخر في الطنيب والمشتى والقسطل، فباغتوهم صباحا في مضاربهم، وأخذوا يقتلون كل من يصادفونه في طريقهم، لا يفرقون بين المحاربين وغير المحاربين. وكانت أحوال إمارة شرقي الأردن في تلك السنة مضطربة بسبب وقوع أحداث الكورة في عهد حكومة رضا باشا الركابي. وقد أطلق عليهم أهالي شرق الأردن ثلاثة أسماء: الوهابيون نسبة إلى محمد ابن عبد الوهاب مؤسس الحركة الوهابية، والإخوان أو (الخوين) لأنهم كانوا يتآخون في الله، والمدينة: أي المتدينون ذوو اللحى الطويلة. وما أن طلع الصباح حتى بلغ الإخوان المشتى والطنيب والقسطل، ولكنهم لم يصلوا إلى أم العمد. وكانت المقاومة في البداية ضعيفة، لأنهم هاجموا بني صخر قبل طلوع الشمس في فصل الصيف فصل البيادر، إلا أن الغبين جمعت جموعها بزعامة شيوخها آنذاك ومنهم: الشيخ مثقال باشا الفايز، والشيخ ظاهر الذياب الفايز، والشيخ صياح النمر الفايز، والشيخ قفطان الحامد، والشيخ زعل كنيعان الفايز، والشيخ عواد السطام الفايز، والشيخ فالح ابو جنيب الفايز، والشيخ درداح البخيت الفايز وغيرهم، والشيخ منور الحديد وأخوه الشيخ النوري الحديد، وبشير الحويان وغيرهم من عشائر البلقاء، فاشتبك الفريقان في معركة حامية الوطيس، فريق يدافع عن أرضه ومضاربه ومواشيه، وفريق يهاجم دون خوف، بسبب عقيدته الدينية، وصدف في ذلك اليوم الثلاثاء أن قوة من مشاة الجيش العربي كانت في طريقها إلى الكرك، ومن ضباطها: بهجت طبارة، وعارف سليم، وسليمان صبحي العمري فاشتركت في مقاتلة الوهابيين. وبلغت أنباء المعركة صبيحة يوم الثلاثاء عمان، فدوت الطبول معلنة الانذار لأهل عمان، فبادر المتطوعون من عشائر البدو الأخرى والأهلين إلى مكان المعركة، واستمر القتال طيلة يوم الثلاثاء حتى ضحى الأربعاء، وأبلى بنو صخر في هذه المعركة بلاء الأبطال، وتمكنوا من رد الغزاة على أعقابهم بعد أن تكبدوا خسائر فادحة..».

ملحمة بطولية
أما الحملة الوهابية الثانية فكانت في صيف عام 1924م، حيث كان الإعداد للغزو ثاني أيام عيد الأضحى، وكانت الحملة تضم (4000-5000) مقاتل، بقيادة ندى بن نهير الشمري، ومعه من العقداء الذين رافقوا الحملة كل من ذويبي بن ناهش، ومناب بن ناجي، وسابان بن جدية من حرب، وعيد الزغيتي بن سليمان، وصباح المرتعد، وابن سويلم، والعوادي من عنزة، وفندي بن نوماص، ووليم بن برق من حاتم، وابن سادان أخو فجان من العوادي، وخجاب بن بخيت ومرغيلس، وجادي بن زومال، وابن فندي من شمر، وعاقر بن دغمي من الرولة، واللحاوي من الشرارات وغيرهم. «وقد بدأ هجوم الإخوان صباح يوم الخميس (14) آب عام 1924م فباغت الغزاة أهالي قرى اللبن والطنيب والقسطل وأم العمد، وسرعان ما انتشر نبأ الغزو بين أهالي شرقي الأردن، فهب رجال عشائر البلقاء وبعض أهالي عمان، وناعور، ووادي السير، وصويلح، لمؤازرة قبيلة بني صخر، وكذلك اشتركت في هذه الملحمة البطولية أربع سيارات مسلحة وطائرات تابعة للقوات الجوية الملكية البريطانية، وقد تمكن ابن نهير من احتلال القرى التي هاجمها، ونصب خيمته في أم العمد، ونهب الوهابيون قرية اليادودة وهي على بعد خمسة أميال من عمان. ولكن عشائر بني صخر والبلقاء والعدوان والعجارمة وبني حميدة، وحدت صفوفها، وصدت المهاجمين، فبدأ الأعداء يتراجعون، وبينما كان فرسان البلاد يطاردونهم ويضربون أقفيتهم، وصلت أربع سيارات بريطانية مصفحة، فأخذ رجالها يطلقون الرصاص كيفما اتفق، فكانت أكثر الإصابات منها في رجال شرقي الأردن. وحلقت الطائرات بأمر فريدريك بيك باشا قائد الجيش العربي آنذاك، فوق العربان المتلاحمين، ورمتهم بالقذائف في سهل زيزاء، فأوقعت الرعب في قلوبهم. وقد قدر المؤرخون خسائر الوهابيين في هذه الحملة بحوالي (500) قتيل، وحوالي (300) أسير، بالإضافة إلى عدد آخر توفوا في أثناء انهزامهم بسبب العطش والإنهاك. وغنم أهالي شرقي الأردن عددا من الخيول والإبل والبنادق، كما غنموا سبع رايات من راياتهم، وجيء إلى عمان بالأسرى، فأدخل الجرحى منهم المستشفى الحكومي للمعالجة، وبعد ثلاثة أسابيع أطلق سمو الأمير عبد الله سراح الأسرى وأعطاهم عددا من الجمال وكمية من الطعام، وسمح لهم بالعودة إلى بلادهم. وفي اليوم التالي خرجت بعض الطائرات لاستكشاف مواقع الغزاة فلم تعثر لهم على أثر. وأما ضحايا هذه الحملة فذكر المؤرخون أنها بلغت حوالي (120-130) قتيلا وجريحا من أهالي البلاد، وجرح اثنان من ضباط القوة الجوية الملكية البريطانية، وكانت جراحهما بسيطة..». 
 
 حكاية المدعي العام
بعد الحديث عن الوهابيين، يمكن المرور على جانب آخر من ذاكرة القسطل، من خلال ما أشار اليه الدكتور محمد عدنان البخيت في كتابه «دراسات في تاريخ بلاد الشام/ الأردن»، وذلك في سياق الفصل الرابع المعنون ب(الوضع الصحي في شرق الأردن/ مذكرات الدكتور جميل فائق التوتنجي)، حيث يكتب صاحب المذكرات (المولد بتاريخ 1896م والمتوفى عام 1981م) أنه «أرادت الحكومة أن تظهر قوتها عندما قتل مشهور الفايز (ت1921م) أحد عبيده، فأرسلتني (أي الحكومة) مع المدعي العام وستة من الجنود لإجراء التحقيقات القضائية مع مشهور، فوصلنا قرية القسطل حيث استقبلنا أحسن استقبال، وقد أفهمنا مشهور بأن القضية انتهت بدفع الدية وتسوية الموضوع مع أهل القتيل، غير أن المدعي العام أبى التساهل وقرر السير في القضية حتى يقبض على القاتل. وقد أظهر مشهور الفايز (وكان شيخ مشايخ بني صخر) عدم المبالاة بالموضوع، ودعانا لتناول الغداء عنده على أن ينظر في طلبنا بعد ذلك. وجلسنا لتناول الطعام بعد أن أسند الجنود الستة المرافقون لنا بنادقهم على الحائط، وأثناء تناول الطعام قام خمسون شابا من شباب بني صخر المدججين بالسلاح باستعراض عسكري أمامنا. وبعد فروغنا من الطعام والقهوة طلب الشيخ تسليمه أوراق التحقيق، فرفض المدعي العام ذلك، وبعد رجاء مني سلمني هذه الأوراق وسلمتها بدوري للشيخ، فما كان منه إلا ألقاها في النار. وعندما وقفنا للانصراف وهممنا به احتجز المدعي العام عنده، ولم يطلقه إلا بعد إلحاح شديد مني. وهكذا سلمنا من الغنيمة بالإياب. ولم تتخذ الحكومة أي إجراء ضدنا رغم فشلنا في القيام بهذه المهمة. وهناك حوادث كثيرة وقعت على شاكلة هذه الحادثة، وكلها تدل على ضعف الحكومة إزاء القضايا التي كان شيوخ العشائر أطرافا فيها. ولم تتخلص الحكومة من هذه المآزق إلا بإصدار قانون العشائر، وتأسيس محكمة عشائرية برئاسة المرحوم الأمير شاكر بن زيد».

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0